أبو الليث السمرقندي
381
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : جَنَّاتِ عَدْنٍ صار خفضا ، لأن معناه يدخلون في جَنَّاتِ عَدْنٍ . الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ ، يعني : ما غاب عن العباد واللّه عز وجل لا يغيب عنه شيء . إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ، يعني : جائيا كائنا . وقال القتبي : مَأْتِيًّا يعني : المفعول بمعنى الفاعل ، يعني : جائيا . وقال الزجاج : مَأْتِيًّا مفعول من الإتيان ، لأن كل من وصل إليك فقد وصلت إليه ، وكل من أتاك فقد أتيته . ثم قال عز وجل : لا يَسْمَعُونَ فِيها ، يعني : في الجنة لَغْواً ، يعني : حلفا وباطلا . إِلَّا سَلاماً ، يعني : ويسمعون السلام ، يسلم بعضهم على بعض . وقال الزجاج : اللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه ، والسلام اسم جامع للخير ، لأنه يتضمن السلامة ، يعني : لا يسمعون إلا سلامهم . ثمّ قال : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، يعني : طعامهم على مقدار البكرة والعشي ، وليس هناك بكرة ولا عشيّ . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبهم ذلك ، فأخبرهم اللّه تعالى أن لهم في الجنة هذه الحالة . وقال القتبي : الناس يختلفون في طاعمهم ، فمنهم من يأكل الوجبة ، أي مرة واحدة في كل يوم ، ومنهم من يأكل متى وجد بغير وقت ولا عدد ، ومنهم من يأكل الغداء والعشاء ، فأعدل هذه الأحوال كلها وأنفعها الغداء والعشاء . والعرب تقول : من ترك العشاء يهرمه ، ويذهب بلحم الكارة ، يعني : باطن الفخذ ، فجعل طعام أهل الجنة على قدر ذلك . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 63 إلى 64 ] تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ( 63 ) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) ثم قال عز وجل : تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا أي ننزّل من عبادنا مَنْ كانَ تَقِيًّا يعني : مطيعا للّه عز وجل . قوله عز وجل : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ وذلك حين أبطأ عليه الوحي ، وعند سؤال أهل مكة عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وأمر الروح ، عاتب المصطفى جبريل عليه السلام ، فقال اللّه تعالى : قل يا جبريل لمحمد ، ومعناه قل : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا من أمر الآخرة وَما خَلْفَنا من أمر الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ أي ما بين النفختين وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا يعني : لم يكن ينساك ربك حيث لم يوح إليك ، ويقال : ما بَيْنَ أَيْدِينا يعني : أمر الآخرة والثواب والعقاب وَما خَلْفَنا جميع ما مضى من أمر الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ ما يكون في هذا الوقت منا . وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي قد علم اللّه عز وجل ما كان وما يكون وما هو كائن حافظ لذلك ، ويقال : ما نسيك ربك وإن تأخر عنك الوحي . وروي عن سعيد بن جبير